مؤيد الدين الجندي

501

شرح فصوص الحكم

والموجب لتوقّف العبد الكامل العارف عن التصدّي للتصرّف والتسخير بإرسال الهمّة وتسليطها هو أنّ الكامل مستفرغ بكليّته لله وشهوده من حيث إطلاقه الحقيقي الذاتي ، فلا التفات له إلى تسليط الهمّة الكلَّية إلى الكوائن الجزئية بالتوجّه الكلَّي وجمع الخاطر ، فلا يجتمع الإنسان في نفسه لهمّته إلَّا للتوجّه الأحدي الجمعي الكمالي إلى الله الواحد الأحد ، وأن تتقيّد « 1 » الهمّة المطلقة عن كل قيد ، المتعلَّقة أبدا بالذات المطلقة بمثل ذلك ، كما أشار إليه - رضي الله عنه - بقوله : « فأمثاله » « 2 » فافهم . ولكن للحق ظهور بجميع التصرّفات الإلهية والتأثيرات الربّانية ، من عين العبد الكامل من غير تقييد منه بذلك ولا إرسال همّة ولا تسليط نفس ، وهو مشهود موجود ، ولله الحمد ، فتحقّق يا أخي بكلّ هذه الحقائق ، فإنّها غاية في المعرفة بالله * ( وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَ [ هُوَ ] يَهْدِي السَّبِيلَ ) * « 3 » . قال - رضي الله عنه - : « قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن قائد للشيخ أبي السعود بن الشبل « 4 » : لم لا تتصرّف ؟ فقال أبو السعود : تركت الحق يتصرّف لي كما يشاء ، يريد قوله - تعالى - آمرا : * ( فَاتَّخِذْه ُ وَكِيلًا ) * « 5 » ، فالوكيل هو المتصرّف ولا سيّما وقد سمع الله يقول : * ( وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه ِ ) * « 6 » فعلم أبو السعود والعارفون أنّ الأمر الذي بيده ليس له ، وأنّه مستخلف فيه ، ثمّ قال له الحقّ : هذا الأمر استخلفتك فيه وملَّكتك إيّاه اتّخذني فيه وكيلا ، فامتثل أبو السعود أمر الله واتّخذه وكيلا ، فكيف تبقى لمن يشهد مثل هذا الأمر همّة يتصرّف بها والهمّة لا تتعقّل « 7 » إلَّا بالجمعية التي

--> « 1 » م : مقيّد . « 2 » م : وأمثاله . « 3 » الأحزاب ( 33 ) الآية 4 . « 4 » في بعض النسخ : الشبلي . « 5 » المزمل ( 73 ) الآية 9 . « 6 » الحديد ( 57 ) الآية 7 . « 7 » في بعض النسخ : لا تفعل .